ابن عربي
256
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
سألتهم عن مقيل الركب قيل لنا * مقيلهم حيث فاح الشيح والبان فقلت للريح سيري والحقين بهم * فإنهم في ظلال الأيك قطان وبلّغيهم سلاما من أخي شجن * في قلبه من فراق القوم أشجان قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أنا ابن الذبيحين » يريد إسماعيل وأباه عبد اللّه . فأما إسماعيل ، فما ذكر اللّه من قصة إبراهيم عليه السلام في رؤياه في ذبح ولده على اختلاف بين إسحاق وإسماعيل ، وما فداه اللّه به ، على أنه يحتمل إذا صح قول النبي صلى اللّه عليه وسلم إنه ابن الذبيحين ، أنه يريد إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام . فإن وزن فعيل يكون للفاعل ويكون للمفعول ، فذبيح بمعنى ذابح وهو إبراهيم ، ومذبوح وهو إسماعيل . وقد يصح نسب النبوّة للعم كما تنسب للأب ، على أن يكون الذبيح إسحاق . قال تعالى في قول بني يعقوب : قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ . وكان إسماعيل عم يعقوب ولم يكن أباه ، وإنما أبوه إسحاق . فأما ما كان من خبر عبد اللّه بن عبد المطلب والد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو ما رويناه من حديث ابن إسحاق ، قال ابن إسحاق : كان عبد المطلب بن هاشم قد لقي من قريش شدّة عند حفر زمزم ، فلما نصره اللّه عليهم نذر لئن ولد له عشرة أولاد ذكورا ، ثم بلغوا معه حتى يمنعوه ، لينحرن أحدهم للّه عند الكعبة . فلما توافى بنوه عشرة وعرف أنهم سيمنعونه جمعهم ثم أخبرهم بنذره ، ودعاهم إلى الوفاء للّه بذلك ، فأطاعوه ، وقالوا : كيف ذلك تصنع ؟ فقال : ليأخذ كل رجل منكم قدحا ، ثم يكتب عليه اسمه ، ثم ائتوني . ففعلوا ، ثم أتوه ، فدخل بهم على هبل في جوف الكعبة ، فقال لصاحب القداح : اضرب على بني هؤلاء بقداحهم هذه ، وأخبره بنذره الذي نذره ، فأعطاه كل رجل منهم قدحه الذي فيه اسمه ، فلما أخذ صاحب القداح القداح ليضرب بها ، قام عبد المطلب عند هبل يدعو اللّه ، ثم ضرب صاحب القداح فخرج القدح على عبد اللّه ، وكان أحب أولاده إليه ، فأخذ شفرة ثم أقبل إلى أساف ونائلة ليذبحه . فقامت إليه قريش من أنديتها فقالوا : ما تريد يا عبد المطلب ؟ قال : اذبحه . قالت له قريش وبنوه : واللّه لا تذبحه أبدا حتى تعذّر فيه ، ولئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتي بابنه حتى يذبحه ، فما بقي الناس على هذا . فقال له المغيرة بن عبد اللّه بن عمرو بن مخزوم ، وكان عبد اللّه بن أحب الناس إليه : واللّه لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه ، فإن كان فداؤه